أبي الفرج الأصفهاني

152

الأغاني

وحديث ألذّه هو ممّا ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا نا وأحلى الحديث ما كان لحنا أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم ، قال : حدّثني أبي ، قلت للجاحظ : إني قرأت في فصل من كتابك المسمى بكتاب البيان والتبيين [ 1 ] : إنما يستحسن من النساء اللَّحن في الكلام ، واستشهدت ببيتي مالك بن أسماء - يعني هذين البيتين - قال : هو كذاك ، فقال : أما سمعت بخبر هند ابنة أسماء بن خارجة مع الحجّاج حين لحنت في كلامها ، فعاب ذلك عليها ، فاحتجّت ببيتي / أخيها ، فقال لها : إنّ أخاك أراد أنّ المرأة فطنة ، فهي تلحن بالكلام إلى غير الظاهر بالمعنى [ 2 ] لتستر معناه ، وتورّى عنه ، وتفهمه من أرادت بالتعريض ، كما قال اللَّه عزّ وجلّ [ 3 ] : * ( ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) * ولم يرد الخطأ من الكلام ، والخطأ لا يستحسن من أحد . فوجم الجاحظ ساعة ، ثم قال : لو سقط إليّ هذا الخبر أوّلا لما قلت ما تقدم ، فقلت له : فأصلحه ، فقال : الآن وقد سار به الكتاب في الآفاق ، وهذا لا يصلح ، أو كلاما نحو ما ذكرنا ، فإن أبا أحمد أخبرنا به على سبيل المذاكرة فحفظته عنه . المتوكل يطلب من ابن داود أن يبتاع له تل بوني أخبرني الحسين بن يحيى ، وجعفر بن قدامة ، قالا : قال حماد : حدثني أحمد بن داود السدّي ، قال : / ورد عليّ كتاب أمير المؤمنين المتوكل ، وأنا على سواد الكوفة : أن ابتع لي تلّ بونّى بما بلغت ، فابتعتها له ، فإذا قرية صغيرة على تلّ ، قد خرب ما حواليها من الضّياع ، فابتعتها له بعشرة آلاف درهم ، قال : فظننته حرّكه على طلبها أنه غنّي : حبذا ليلتي بتلّ بونّى فسألت عن ذلك ، فعرفت أنّ جاريته مكتومة غنّته هذا الصوت . قال حماد : ومكتومة هذه جارية أهداها أبي إليه لما ولى الخلافة ، فإنه سأل عنه ، فعرف أنه قد كفّ بصره ، فكتب له بمائة ألف درهم ، وأمر بإشخاصه إليه مكرّما ، فأشخص إليه ، وأهدى إليه عدّة جوار هذه فيهن . الحجاج يعاتب مالكا ويستتيبه وروى الهيثم بن عديّ عن ابن عياش أنّ الحجاج دعا يوما بمالك بن أسماء ، فعاتبه عتابا طويلا ، ثم قال له : أنت واللَّه كما قال أخو بني جعدة [ 4 ] : إذا ما سوأة غرّاء ماتت أتيت بسوءة أخرى بهيم [ 5 ]

--> [ 1 ] البيان والتبيين 1 : 82 . [ 2 ] المختار : « إلى غير المعنى في الظاهر » . [ 3 ] سورة محمد 30 . [ 4 ] ملحق ديوانه 237 ، والمفضليات 70 . [ 5 ] بهيم : سوداء .